الكنيسة هي مكان الإيمان ومكان نقل الإيمان

كلمة البابا بندكتس السادس عشر خلال المقابلة العامة في 31 أكتوبر 2012

| 1072 زيارة\زيارات

الفاتيكان، الثلاثاء 6 نوفمبر 2012 (ZENIT.org). – ننشر في ما يلي التعليم الذي تلاه البابا بندكتس السادس عشر نهار الأربعاء 31 أكتوبر 2012 في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان.

* * *

إخوتي وأخواتي الأعزّاء،

نواصل مسيرتنا في التأمّل بالإيمان الكاثوليكيّ. لقد بيّنتُ الأسبوع الماضي كيف أنّ الإيمان هو عطيّة، لأنّ الله هو الذي يأخذ المبادرة ويأتي للقائنا؛ وبالتالي فإنّ الإيمان استجابةٌ نقتبله تعالى بها كأساسٍ ثابت لحياتنا. إنّه عطيّة تُحوِّل حياتنا، لأنّه يجعلنا ندخل في رؤية يسوع نفسها، الذي يعمل فينا وحتّى ننفتح على المحبّة تجاه الله وتجاه الآخرين.

أودّ اليوم أن أقوم بخطوة أخرى في تأمّلنا، انطلاقًا مرّةً أخرى من بعض الأسئلة: هل الإيمان له طابع شخصيّ فقط، وفرديّ؟ هل يهمّ شَخْصي وحده؟ هل أعيش إيماني لوحدي؟ بالطبع، فعل الإيمان عملٌ شخصيّ بامتياز، يحدث في حميميّتي الأكثر عمقًا ويمثِّل تغييرًا في الاتّجاه، توبة شخصيّة: فحياتي هي التي تتلقّى تحوّلاً، اتّجاهًا جديدًا. في ليتورجيا المعموديّة، عند الوعود، يطلب المُحتفِل الجهر بالإيمان الكاثوليّ ويصيغ ثلاثة أسئلة: أتؤمنون بالله الكلّي القدرة؟ أتؤمنون بابنه الوحيد يسوع المسيح؟ أتؤمنون بالروح القدس؟ كانت هذه الأسئلة توجَّهُ قديمًا شخصيًّا لمَن كان على وشك اقتبال العماد، قبل أن يغطس بالماء ثلاث مرّات. واليوم أيضًا، الجواب هو بصيغة المفرد: «أؤمن». لكنّ إيماني هذا ليس نتيجة تأمّلي المنفرد، ليس من نتاج فكري، بل هو ثمرة علاقة، وحوار حيث هناك استماع، وتلقّي وإجابة؛ إنّه التواصل مع يسوع الذي يجعلني أخرج من »الأنا» خاصّتي المنغلق على ذاتي لأنفتح على محبّة الله الآب. إنّها مثل ولادة جديدة حيث أكتشف نفسي متّحدًا ليس مع يسوع فحسب، بل أيضًا مع جميع أولئك الذين ساروا ويسيرون على نفس الطريق؛ وهذه الولادة الجديدة، التي تبدأ عند المعموديّة، تستمرّ طوال مسيرة الحياة. لا أستطيع أن أبنيَ إيماني الشخصيّ في حوار خاصّ مع يسوع، لأنّ الإيمان أعطاني إيّاه الله من خلال الجماعة المؤمنة التي هي الكنيسة وهو يُدخلني بالتالي في جموع المؤمنين في، شركة ليست اجتماعيّة فقط، بل متجذِّرة في محبّة الله الأبديّة، الذي في ذاته هو شركة الآب والابن والروح القدس، هو المحبّة الثالوثيّة. إيماننا شخصيّ فعلاً، فقط إذا كان أيضًا جماعيًّا: يمكنه أن يكون إيماني فقط إذا ما عاش وتحرّك داخل «نحن» الكنيسة، فقط إذا ما كان إيماننا كلّنا، إيمان الكنيسة الواحدة المشترك.
يوم الأحد، في القدّاس الإلهيّ، عندما نتلو «قانون الإيمان»، نعبِّر بصيغة المتكلّم (في النصّ اليوناني الأصلي واللاتيني أيضا، ملاحظة المترجم)، لكنّنا نعترف كجماعة بإيمان الكنيسة الواحد. هذا «النؤمن» الذي نتلوه بشكلٍ فرديّ يتّحد بنؤمن جوقة هائلة في الزمان والمكان، يساهم فيه الجميع، إذا جاز التعبير، بتعدّد الأصوات المتناغمة في الإيمان. يلخِّص التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة هذا الأمر بطريقة واضحة: «الإيمان عملٌ كنسيّ. إيمان الكنيسة يسبق إيماننا، ويبعثه، ويحمله، ويغذّيه. الكنيسة أمّ جميع المؤمنين. “لا أحد يستطيع أن يقول إنّ الله أبوه، ولا تكون الكنيسة أمُّه”» [القديس كبريانوس]" (عدد 181). لذلك فالإيمان يولد في الكنيسة، إليها يقود وفيها يعيش. من المهمّ أن نتذكّر هذا الأمر.

في بدايات المغامرة المسيحيّة، عندما حلّ الروح القدس بقوّة على التلاميذ، يوم العنصرة - كما تروي أعمال الرسل (راجع 2، 1-13) - تتلقّى كنيسة النشأة القوّة لتنفيذ المهمّة التي أوكلها إليها الربّ القائم من الموت: مهمّة نشر الإنجيل، البُشرى لملكوت الله، ِ في كلّ ركنٍ من أركان الأرض، وبالتالي مهمّة إرشاد كلّ إنسان إلى اللقاء مع الربّ، إلى الإيمان الذي المخلِّص. يتغلّب الرسل على كلّ خوف في إعلان ما سمعوا ورأوا واختبروا شخصيًّا مع يسوع. بقوّة الروح القدس، يبدؤون بالتكلّم بألسنة جديدة، بالإعلان بصراحة عن السرّ الذي كانوا شهودًا له. يُشار إلينا في أعمال الرسل بعد ذلك إلى الخطاب الهامّ الذي ألقاه بطرس في يوم العنصرة بالتحديد. إنّه ينطلق من فقرة للنبيّ يوئيل (3، 1-5)، مشيرًا به إلى يسوع، ومعلنًا النواة الجوهريّة للإيمان المسيحيّ: ذاك الذي أحسن إلى الجميع، ذاك الرجل الذي أيّده الله من أجلكم بالأعمال القديرة والعجائب والآيات، قد سُمِّر على الصليب وقُتل، لكنّ الله أقامه من بين الأموات، جاعلاً منه ربًّا ومسيحًا. معه ندخل الخلاص النهائيّ الذي أعلنه الأنبياء ومَن يدعو باسمه يخلص (راجع أعمال الرسل 2، 17-24). عند سماع كلمات بطرس هذه، شعر كثيرون بأنّهم مدعوّون شخصيًّا، تابوا عن خطاياهم وتعمّدوا ونالوا موهبة الروح القدس (راجع أعمال الرسل 2، 37-41). هكذا تبدأ مسيرة الكنيسة، جماعة تحمل هذا الإعلان في الزمان والمكان، جماعة هي شعب الله المؤسَّس على العهد الجديد بفضل دم المسيح، لا ينتمي أعضاؤه إلى كتلة اجتماعيّة أو إثنيّة معيّنة، بل هم رجال ونساء آتون من كلّ أمّة وثقافة. إنّه شعب «كاثوليكي»، يتحدّث بلغات جديدة، منفتح عالميًّا لاقتبال الجميع، ما وراء كلّ حدود، محطّمًا جميع الحواجز. يقول القدّيس بولس: «فلا يونانيّ بعد ولا يهوديّ، لا ختانة ولا عدم ختانة، لا أعجميّ ولا إسكوتيّ، لا عبدٌ ولا حرّ، بل المسيح هو الكلّ وفي الكلّ» (كولوسّي 3، 11).

الكنيسة هي إذًا، منذ البدايات، مكان الإيمان، مكان نقل الإيمان، المكان الذي نغوص فيه، بفضل المعموديّة، في السرّ الفصحيّ لموت المسيح وقيامته، الذي يحرّرنا من عبوديّة الخطيئة، ويعطينا حريّة الأبناء ويقودنا إلى الشركة مع الله الثالوث. في الوقت نفسه، نغوص في الشركة مع بقيّة الإخوة والأخوات في الإيمان، مع سائر جسد المسيح، مُنتشَلين من عزلتنا. وهذا ما يذكِّرنا به المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثاني حيث يقول: «وإنّما شاء الله أن يقدّس الناس ويخلّصهم، لا متفرّقين بدون ما ترابط في ما بينهم، بل أراد أن يجعلهم شعبًا يعرفه في الحقيقة ويخدمه في القداسة» (دستور عقائديّ في الكنيسة. نور الأمم، Lumen gentium, 9). بالإشارة أيضًا إلى ليتورجيا المعموديّة، نلاحظ أنّه، في ختام الوعود التي نعرب بها عن نبذ الشرّ ونكرِّر «أؤمن» بحقائق الإيمان، يعلن المحتفل: «هذا هو إيماننا، هذا هو إيمان الكنيسة، ونحن فخورون بالاعتراف به في المسيح يسوع ربّنا». الإيمان فضيلة لاهوتيّة، يمنحها الله، لكنّ الكنيسة هي مَن تنقله على مرّ التاريخ. يؤكِّد القدّيس بولس نفسه، وهو يكتب إلى أهل كورنثوس، أنّه سلّم إليهم الإنجيل الذي تسلّمه أوّلاً هو أيضًا (راجع 1 كورنثوس 15، 3).

هناك سلسلة متواصلة من حياة الكنيسة، من إعلان كلمة الله، ومن الاحتفال بأسرار البيعة، التي تصل إلينا ونحن نسمّيها التقليد. إنّه يضمّننا على أنّ ما نؤمن به هو رسالة المسيح الأصليّة، التي بشّر بها الرسل. وجوهر الإعلان الأساسيّ هو حدث موت الربّ وقيامته، الذي ينبع منه كلّ تراث الإيمان. يقول المجمع: «وكان من المفروض أن تُصانَ الكرازة الرسوليَّةُ المعبَّر عنها بصورةٍ خاصّة في الكُتُبِ المُلهمة، وذلك بواسطةِ تَسلسُلٍ غيرِ منقطعٍ حتى انقضاء الدهر» (دستور عقائديّ في الوحي الإلهيّ. كلمة اللهDei Verbum, 8). وبهذه الطريقة، إذا كان الكتاب المقدّس يحتوي على كلمة الله، فإنّ تقليد الكنيسة يحفظها وينقلها بأمانة، حتى يتمكّن بشر كافّة الأزمنة من الوصول إلى مواردها الضخمة والاغتناء بكنوزها في النعمة. وهكذا فإن الكنيسة، «بتعليمها وحياتها وطقوسها، تُخَلِّدُ وتنقل للأجيالِ بأسرها كلَّ ما هي عليه وكلَّ ما تؤمن به». (المرجع نفسه).

أودّ في النهاية أن أُشدِّد على أنّ الإيمان الشخصيّ ينمو وينضج في الجماعة الكنسيّة. من المثير للاهتمام أن نلاحظ كيف أنّ كلمة «قدّيسين» تُشير في العهد الجديد إلى المسيحيّين بمجموعهم، مع العلم بأنّه لم يكن لجميعهم الصفات لكي تُعلنهم الكنيسة قدّيسين. ما القصد إذًا من هذا المصطلح؟ حقيقة أنّ الذين كان لديهم الإيمان بالمسيح وكانوا يعيشونه كانوا مدعوّين لأن يصبحوا نقطة مرجعيّة لجميع الآخرين، واضعًا إيّاهم بهذا الشكل في تواصل مع شخص يسوع ومع رسالته، يسوع الذي يكشف عن وجه الله الحي. وهذا يصلح أيضًا بالنسبة إلينا: المسيحيّ الذي يدع إيمان الكنيسة يرشده ويصوغه شيئًا فشيئًا، على الرغم من ضعفه ومحدوديّته وصعوباته، يصبح مثل النافذة المفتوحة على نور الله الحيّ، ويتلقّى هذا النور وينقله إلى العالم. لقد أكّد الطوباويّ يوحنّا بولس الثاني في الرسالة الجامعة، رسالة الفادي Redemptoris missio قائلا «إنّ الرسالة تجدّد الكنيسة وتقّوي الإيمان والهويّة المسيحيّة، وتعطي مزيدًا من الحماس والدوافع الجديدة. فالإيمان يتقوّى عندما نعطيه!» (عدد 2).

إنّ الميل، المنتشر اليوم على نطاق واسع، إلى إحالة الإيمان إلى المجال الخاصّ يتعارض بالتالي مع طبيعته نفسها. إنّنا بحاجة إلى الكنيسة ليكون لنا التأكيد على إيماننا وللقيام بخبرة عطايا الله: كلمته، أسرار البيعة، وسند النعمة والشهادة للمحبّة. وهكذا يمكننا شخصيا، في جماعة الكنيسة، أن ندركَ أنفسنا كمقصد حدثٍ يفوقهنا وكبطلته في نفس الوقت: هي هذه خبرة الشركة مع الله، التي تؤسِّس الشركة مع البشر. يدعونا الإيمان، في عالم يبدو فيه أنّ الفرديّة تنظِّم العلاقات بين الأشخاص فتجعلها أكثر هشاشة، إلى أن نكون شعب الله، إلى أن نكون كنيسة، حاملين محبّة الله وشركته إلى كافّة الجنس البشريّ (راجع دستور رعائيّ في الكنيسة في عالم اليوم. فرح ورجاء،Gaudium et spes, 1). وشكرًا لانتباهكم.

* * *

تعريب موقع الواحة