رقصة الحب

الثالوث الأقدس الإله الواحد الحق (7)

الفاتيكان, (زينيت) د. روبير شعيب | 428 زيارة\زيارات

في كتابه الشهير "فن الحب"، يتحدث عالم النفس أريك فروم عن مفارقة الحب الحقيقي. من خصائص الحب أنه يوحّد دون أن يذيب الآخر. الحب هو عندما يتحد اثنان دون أن تؤدي تلك الوحدة إلى ضياع ثنائيتهما.

ويقدم الفيلسوف الكبير هيغل أفكارًا عن الحب تفيد جدًا لغايتنا:

"الحب هو تمييز بين اثنين، ليسا أحدهما للآخر مجرد مختلفين. إن إدراك وحدس هذه الوحدة، ووعي كياني خارج ذاتي وفي الآخر، هو الحب بالذات. إن وعيِ الذاتي لا ينحصر في ذاتي، بل في الآخر؛ ولكن هذا الآخر، بما أنه خارج نفسه، يملك بدوره وعيه الذاتي فيَّ، وعليه فكلانا نعيش وعيًا مشتركًا، وهو وعينا بأننا خارج ذواتنا من أجل الآخر. هذا هو الحب".

طبيعة الحب هي أنها توحد دون إزالة الاختلاف. الاختلاف ليس خلافًا أو انشقاقًا. وهذا النوع من الحب يظهر في الثالوث الأقدس بشكل كامل. فأقانيم الثالوث الأقدس هي متحدة لا لتشكل اختلاطًا عشوائيًا، بل لكي يكون أحدها في الآخر، إذا جاز التعبير.

يقدم يوحنا الدمشقي عبارة تقنية هامة تلخص هذه النظرة. العبارة اليونانية هي "perichóresis" وهي تتألف من "peri " (حول) و "choreia " (رقص). إن التشبيه يهدف إلى تقديم فكرة عن كيان الله ككيان ديناميكي، حي، وفرح.

تعيش أقانيم الثالوث الأقدس في تبادل حب وانتباه وحضور يشبه الرقصة. عندما ننظر إلى رقصة جيدة، نرى أن الجميع يتحركون على وقع موسيقى واحدة، بتناغم وانسجام وجداني وحقيقي. دون هذا الانسجام لا يمكننا أن نتحدث عن واقع الرقصة. كذلك الأمر، إذا جاز التعبير، يمكننا أن نقول أن في الثالوث رقصة توحد الأقانيم، في وحدة ليست مصيرًا مفروضًا، بل هو قرار حب حر وطوباوي.

هذا التشبيه استمده يوحنا الدمشقي، واستمده اللاهوتيون عامة من كلام يسوع بالذات. ففي إنجيل يوحنا يتحدث يسوع عن علاقته بالآب قائلاً: "أنا في الآب والآب فيّ" (يو 14، 10 – 14)؛ "الآب فيّ وأنا في الآب" (يو 10، 38؛ 17،21).

إذا نظرنا إلى أيقونة الثالوث كما صورها الراهب والفنان الروسي أندريي روبليف، نرى أن واقع الـ "بريكوريزيس" موجود في نظرات الأقانيم الثلاثة. في تبادل النظرات ونوعيتها، يصبح "الفراغ" بين الأقانيم موضع حضور وشركة. في هذه الشركة يهب كل من الأقانيم ذاته للآخر ويفسح المجال لحضور وكيان الآخر.

اللافت في هذه الأيقونة أيضًا هو أن هناك فسحة في اتجاه من ينظر إلى الأيقونة ومن يصلي أمامها. هذه الفسحة هي للبشرية ولكل إنسان، لكي يدخل في رقصة حب الثالوث الأقدس.

الثالوث الأقدس ليس نظرية حول الله، الثالوث الأقدس يُعاش بحق في خبرة صلاة واتحاد حب بالله.