محمد السماك .. لا تنسَ السينودس!

الأردن, (زينيت) الأب رفعت بدر | 922 زيارة\زيارات

تناقلت صحف ومواقع الكترونية عربية عدة مقالاً للكاتب اللبناني محمد السمّاك بعنوان "أبعاد استقالة بابا الفاتيكان" بتاريخ 1\3\2013 . وتم إعادة نشره في صحيفة المستقبل اللبنانية في 4\3 بعنوان: "أبعد من استقالة بابا الفاتيكان"، وقد حاول الكاتب وهو أمين عام القمة الروحية الإسلامية وأمين عام اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار وأمين سر الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي، الاجتهاد وتقديم قراءة لحدث كبير يجري لأول مرة منذ أكثر من ستة قرون. والحق يُقال أن الكاتب الذي له حضور بارز في الحوار الإسلامي المسيحي في المشرق كله قد أخفق هذه المرة بالتحليل. ذلك أنه استند في تحليله الى العديد من المغالطات بناء على المواقع الالكترونية التي تقدم له بعض الحقائق المجزوءة والمبتورة، لكنها حتماً لا تقدم ثقافة راقية وتتلاءم مع قامة الحدث الذي تتحدث عنه.
أول الكلمات التي يستخدمها هي "الإيحاء"، فيقول إن البابا قد أراد الإيحاء للعالم بأنه مريض ولذلك اختار يوم 11 شباط للإعلان عن استقالته وهو يوم المريض العالمي. فما الذي توقعه هذا الكاتب المخضرم من شيخ جليل يقترب من الاحتفال بعيده السادس والثمانين؟ الم يجد أفضل من كلمة الإيحاء ، لكي يوحي للقارئ أنه يقف على سبب حقيقي خفي لتنازل البابا عن منصبه؟ 
وبعد حديث عابر، عما تتوارده وسائل الاعلام حول الفضائح المالية والجنسية، يقول بأن البابا خلال فترة حبريته قد أثار مشاكل مع كل المسلمين واليهود والإنجيليين الانجيلكان وحتى مع المتشددين من المسيحيين الكاثوليك. 
وهنا أترك المجموعات كلها عدا الأولى: أي المسلمين، وهو موضوع يهمنا جميعاً في الشرق سواء أكنا مسلمين أم مسيحيين فقد عاد الكاتب إلى محاضرة للبابا في ألمانيا عام 2006 ثم يغمز ويلمز بأنها كانت تصب في حملة تشهير غربية تجاه الإسلام.
وللإنصاف أقول بأنّ هامة فكرية مثل محمد السمّاك قد انهارت أمامي وأنا أفتش في طيات مقاله عن ذكر لثلاث زيارات قام بها البابا " السابق" إلى ثلاثة مساجد مهمة وهي: المسجد الأزرق في تركيا ومسجد الحسين بن طلال في عاصمتنا الأردنية عمّان، والمسجد الأقصى في القدس الشريف. ألم تكن هذه الزيارات حرية بالأمين العام للقمة الروحية الإسلامية في لبنان أن يعتبرها مبادرات ايجابية وأخوية تدعو إلى الوحدة لا الانقسام بين أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية الذين يشكلون معاً أكثر من نصف الأسرة البشرية ؟ وكذلك فقد غاب عن ذهن الكاتب الزيارة التاريخية التي قام بها ملك السعودية إلى الفاتيكان. لماذا يعود الى محاضرة علمية في ألمانيا، ويبيّن أنّ علاقة البابا مع الإسلام قد بقيت متوترة ، مغفلا عن ذكر زيارات الثلاث المساجد.
والأهم من ذلك، وفي تشرين الثاني عام 2010 جرى سينودس ( اجتماع ) عام دعا إليه البابا "السابق" الذي حضر مجمل أعماله وشارك به أكثر من مئتين وخمسين بطريركاً وأسقفاً وكاهناً وقد تم اختيار الأستاذ السماك كممثل شرعي ووحيد للإسلام السني في العالم أجمع، فيما تم اختيار آية الله سيّد مصطفى أحمد ابادي ممثلاً عن الإسلام الشيعي، بالاضافة الى ممثل عن اليهود. وقد ألقى السمّاك كلمة رئيسية تمت ترجمتها إلى أكثر من ست لغات ونشرت على الموقع الرسمي للفاتيكان، واعتبرت وثيقة مهمة أصغى إليها كل المشاركين باهتمام بالغ، وقد أجاب وقتها وببراعة بالغة وبلاغة كبيرة على سؤالين: لماذا هذا السينودس من أجل مسيحي الشرق ؟ وما معنى دعوة مسلم الى السينودس وأي دور لي فيه وبعده؟ وقد تشرّف كاتب هذه السطور بأن نقلها إلى اللغة الانجليزية إذ كان يعمل مترجماً رسمياً معتمدا في السينودس. 
واليوم نسي السماك وقفته التاريخية تلك وجلوسه إلى جوار البابا لمخاطبة العالم الكاثوليكي والمسيحي دفاعاً عن مسيحيي الشرق، عبر واحد من أهم المنابر الروحية العالمية تحت لقب المدعو الخاص السني وبصفته مستشاراً لمفتي الجمهورية اللبنانية، وما زالت صوره حاضرة في ارشيف السينودس، بل الفاتيكان كله. وكذلك لقد فاته أن يذكر أنه كان من أوائل الموقعين على " كلمة سواء "الوثيقة التاريخية، والتي تجاوب معها الفاتيكان، وتم إثرها الإعلان عن تأسيس المنتدى الكاثوليكي الإسلامي الدائم,
أضف إلى ذلك ان الاستاذ السمّاك قد شارك في تشرين اول عام 2011 في اجتماع أسيزي التاريخي الذي دعا إليه البابا السابق ذاته وحضره ممثلون عن مختلف الأديان في العالم. فلِمَ يحشر السماك علاقة الكنيسة بالإسلام، عبر الثماني سنوات من حبرية البابا، في محاضرة علمية في ألمانيا، قال البابا اثرها عن الاقتباس الذي يعيد السماك فتحه، انه لا يمثله ولا يمثل رأي الكنيسة ولا يتعدى عن كونه اقتباساً في محاضرة في احدى الجامعات. لِمَ لم يشكل الإرشاد الرسولي مرجعا وهو النابع من أعمال السينودس ووقعه البابا في لبنان في 14 أيلول الماضي وفيه تأكيد على استمرار الكنيسة جمعاء والكنيسة في الشرق بدرب الحوار سيراً نحو التقبل المتبادل وتخطي مراحل التسامح وصولاً الى تحقيق المواطنة الكاملة أي المساواة بين كامل مكونات الشعوب في الشرق الأوسط.
ختاماً، انهي بما نطق به الأستاذ محمد في مداخلته في السينودس بتاريخ 14/10/2010، "وهي ان معاناتنا كشرقيين واحدة، اننا نعيش المعاناة معاً، نعيشها في تخاصمنا الاجتماعي والسياسي، وفي تقهقرنا الاقتصادي والتنموي، وفي توترنا الديني والمذهبي". 
وأضيف اننا نعيشها في كبواتنا، وقد قالت العرب " لكل جواد كبوة "، وهذا المقال الذي أخفق الكاتب بذكر كلمة تقدير واحدة فيه، قد كان كبوة السمّاك. وكان الاجدر به أن يعيد ما كتبه اثر الزيارة البابوية الى لبنان، حين قال: "ومن هنا فإن زيارة البابا بندكتس السادس عشر الذي يعني اسمه "المبارك"، وفي ضوء ما تضمنه الإرشاد الرسولي من توجيهات ودعوات للحوار والعيش المشترك، تشكل مدخلاً لمرحلة جديدة من العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة العربية، وفي العالم كله" (المستقبل 23\10\2013) . فلم تغيّر الأمر بعد استقالة البابا؟
* * *

مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام - الاردن

(جريدة المستقبل)