ندوة بعنوان: " حريـة المعتقــد والضميــــــر"

في المركز الكاثوليكي للإعلام – جل الديب

| 3434 زيارة\زيارات

جل الديب، الأربعاء 25 أغسطس 2010 (Zenit.org). –عقدت ظهر الثلاثاء 24 أغسطس ندوة صحفية في المركز الكاثوليكي للإعلام بدعوة من اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام بعنوان : " حريـة المعتقــد والضميــــــر " ضمن سلسلة ندوات وثيقة "أداة العمل" لجمعية سينودس الأساقفة الخاصة بالشرق الأوسط (الفقرات 36-40)،  برئاسة رئيس اللجنة، المطران بشارة الراعي، شارك فيها : النائب البطريركي الماروني العام، المطران سمير مظلوم، ومقرر لجنة حقوق الإنسان النيابية،النائب غسان مخيبر، ونقيب المحامين في بيروت، الأستاذة أمل حداد، والأمين العام للجنة الوطنية للحوار الاسلامي – المسيحي، الدكتور محمد السماك، ومدير المركز الكاثوليكي للإعلام، الخوري عبده أبو كسم،  في حضور أمين سرّ اللجنة الأب يوسف مونس، والمسؤول عن الفرع السمعي البصري في المركز الأب سامي بو شلهوب، ورئيس الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة – لبنان، الأب طوني خضره، ورئيس نورسات الفضائية، الاستاذ ريمون ناضر، وعدد كبير من المهتمين والإعلاميين، قدّم الندوة وأدارها المحامي وليد غياض. 


 

بداية تحدث المحامي وليد غياض فقال:

" لابد ان يكون خير الانسان معيار كل نظام سياسي واجتماعي، فكل النظم تقام لخدمة الانسان"، بالكلام عن حقوق الانسان التي لا تتعارض وحقوق الله، تستهل الفقرة 36 من وثيقة "اداة العمل" لجمعية سينودس الاساقفة الخاصة بالشرق الاوسط، الحديث عن الحرية الدينية وحرية الضمير، فتعتبر ان الله اعطى للانسان ضميراً حياًّ، به يمكنه البحث عن الحقيقة والوصول اليها دون اجبار. والحرية الدينية في الشرق الاوسط تعني حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية، وهي في هذا المفهوم تواجه تحدّيات وعقبات تغيب في لبنان بشكل خاص، الحمدلله، لتظهر بوضوح في بلدان عربية اخرى. اما حرية الضمير في مفهومها الواسع فهي تتعلّق بقناعة الانسان وبحريته في تغيير دينه، وهذا ما يواجه رفضاً عند الشركاء المسلمين. وفي هذا الاطار تقول الوثيقة في الفقرة 37: " ان الديانة في الشرق، عادة ما تكون اختياراً اجتماعياً بل قومياً، لا اختياراً فردياً. فتغيير الديانة يعتبر خيانة تجاه المجتمع..."

حول هذه الاشكاليات نلتقي اليوم في المركز الكاثوليكي للاعلام، لنستمع الى كل من سيادة المطران سمير مظلوم النائب البطريركي العام، وسعادة النائب غسان مخيبر، وحضرة نقيبة المحامين في بيروت الاستاذة امل حداد، والى حضرة الدكتور محمد السماك عضو اللجنة الوطنية للحوار الاسلامي المسيحي.

واني اذ احيي كل الحضور، وكافة وسائل الاعلام والاعلاميين، والمشاهدين عبر شاشتي تيليلوميار ونورسات الفضائية، ومستمعي اذاعة صوت المحبة، اترك كلمة الافتتاح والترحيب الى سيادة المطران بشارة الراعي رئيس اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام.  

ثم رحب المطران الراعي بالمنتدين والحضور وترك الكلام للمطران سمير مظلوم فقال: 

ان مسألة الحرية الدينية ، او حرية المعتقد، تطرح على الإنسان منذ أن ابتدأ يعي وجوده على الأرض، وانتماءه الى جماعة ما ، واحتكاكه بسائر الكائنات والقوى الخارقة في الكون. وهكذا ابتدأت الجماعات تنظم علاقاتها مع تلك القوى بهدف استرضائها واتقاء لغضبها، والحصول على حمايتها وبركتها. فكان لكل جماعة او قبيلة آلهتها ، وديانتها ،وطرق عبادتها ، وغالبا ما كانت الخلافات بين القبائل تتحول الى حروب بين الآلهة . ولم يكن يعقل أن يخرج فرد او عدة أفراد عن ديانة الجماعة التي ينتمون اليها ، وإلا عدّ ذلك خيانة عظمى. 

الى أن ظهرت الديانات السماوية التي تدعو الى الإيمان "بإله واحد خالق السماء والأرض ، كل ما يرى وما لا يرى "، وهو قد برأ الإنسان على صورته ومثاله، ومنحه عقلا وإرادة يميزانه عن سائر المخلوقات، وكوّنه شخصا يتمتع بالحرية ، وهو مسؤول عن أعماله وخياراته ، " وجعله موضع حقوق وواجبات ، وأعطاه ضميرا حيا ، به يمكنه البحث عن الحقيقة والوصول اليها دون إجبار". وهكذا تبلورت شيئا فشيئا فكرة حقوق الإنسان التي لا تتعارض مع حقوق الله ، بل تستمد طابعها المقدس من قداسة الله. وكما أن الإنسان مسؤول عن أعماله وخياراته في بناء المجتمع الذي ينتمي اليه ، وإقامة النظم الإجتماعية التي تؤمن خير الإنسان وحقوقه ، فهو مسؤول أيضا عن خياراته الدينية وعلاقاته مع الخالق، وهذا ما يدعى حرية الضمير ، أي "حرية أن يؤمن الشخص او لا يؤمن ، أن يمارس ديانة سرا أو علنا بدون أية عقبة، وبالتالي حرية تغيير ديانته " واختيار الديانة التي يقتنع ضميريا يها .

أما إذا نظرنا الى مجتمعاتنا في الشرق الأوسط  ، التي هي موضوع السينودس القادم ، فنرى أن معظمها ما زال على مفهوم الحرية الدينية ، اي حرية العبادة ، ولم يبلغ بعد حرية الضمير . ومن هنا  " فالإهتداء الى الدين المسيحي ينظر اليه كنتيجة لعمل اقتناص مغرض ، وليس لاقتناع ديني حقيقي . وغالبا ما تمنعه قوانين الدولة بالنسبة الى الشخص المسلم ". وفي معظم البلدان التي تطبق الشريعة الإسلامية بحذافيرها ، يعتبر ذلك ارتدادا عن الإسلام قد يحلل هدر دم المرتد. أما المسيحي في مجتمعاتنا الشرقية فيلاقي أيضا ضغوطا ومعارضة من جانب العائلة او العشيرة، بيد أنه يظل حرا في تغيير ديانته . وفي معظم الحالات التي نشهدها في مجتمعاتنا ، نرى أن الإنتقال من المسيحية الى الإسلام لا يتم عن قناعة دينية وخيار ضميري واعي، بل تلبية لمصالح شخصية ، أو خضوعا لضغوط تمارسها عليه البيئة الإسلامية التي يعيش فيها. 

لا شك في أن هناك اختلافات عميقة في المفاهيم والمواقف  حول ما يدعى حرية الضمير ، وواجب التبشير لدى  المسيحيين ، والدعوة لدى المسلمين . وذلك يستدعي حوارا صريحا يتناول هذا الموضوع ، ويحاول الوصول الى مواقف مشتركة ، تحترم حقوق كل انسان ، وحرية ضميره الكاملة ، ايا كانت الديانة التي ينتمي اليها. أما موقف الكنيسة من هذه القضية ، فقفد عبّر عنه قداسة البابا بندكتوس السادس عشر بقوله : " من يمارس المحبة باسم الكنيسة ، لن يحاول ابدا أن يفرض على الآخرين إيمان الكنيسة . إنه يعرف أن الحب في نقائه وفي مجانيته ، هو أفضل شهادة لله الذي نؤمن به والذي يدفعنا الى أن نحب ". ( الله محبة ، 31 )

ما نحن بحاجة اليه في مجتمعاتنا الشرقية هو العمل الحثيث على تطور الذهنيات والنظرة الى الآخر . من هنا أهمية " الإستمرار في التربية على الحرية ، وعلى احترام حرية الآخر ، وعلى تخطي المصالح الطائفية ، في سبيل المزيد من العدالة والمساواة أمام القانون". ففي عصر العولمة  والتفاعل بين الحضارات والديانات، والتقارب بين الشعوب، لا بد من الخروج من الإنكماش على الذات ، والتقوقع على الماضي، واكتشاف ما لدى الآخرين من كنوز فكرية ومن مساهمات في تطور البشرية وإثراء الحضارة. وهذا يتطلب من الجميع، أفرادا وجماعات ودولا ، احترام حرية المعتقد وحرية الضمير.

إن احترام حرية المعتقد  يعني أنه لا يحق لأية سلطة سياسية او مدنية او عسكرية، أن تتدخل في خيارات الإنسان الضميرية ، لكي تملي عليه اختيار الديانة التي يريد أن ينتمي اليها ، او كيف يجب عليه أن يعبد الله . فهذا حق من حقوق الإنسان الجوهرية ، وعدم احترام هذا الحق هو تعد على حرية الإنسان ونشدانه الحياة بسلام وأخوّة مع الجميع.

إن مسألة حرية  المعتقد وحرية الضمير بكل أبعادها ، هي موضوع  بحث وحوار في العديد من المؤتمرات واللقاءات التي يعقدها رجال دين وأهل فكر، بل ومسؤولون اجتماعيون وسياسيون. وهذا أمر مستحسن أن يثير هذا الموضوع الكثير من النقاشات والحوارات التي تقرب افكار الناس بعضها الى بعض. وكم نحن بحاجة في شرقنا الى أن نكثف الحوار حول هذه الأمور الجوهرية ، التي تساعدنا على التقارب والعيش معا بسلام واحترام متبادل.  ولقد اختار  قداسة البابا موضوعا للتفكير والصلاة في اليوم العالمي للسلام ، الذي تحتفل به الكنيسة في اليوم الأول من السنة القادمة ، " الحرية الدينية ، سبيل الى السلام ".   فعسى أن ننخرط جميعا في مسيرة بناء السلام في منطقتنا ، بدءا باحترام حرية المعتقد وحرية الضمير لدى كل انسان .  

كلمة النائب غسان مخيبر فقال:

تناولت أداة العمل لسينودس الأساقفة [الكاثوليك] ("أداة العمل") تمهيدا لإنعقاد الجمعية الخاصة من اجل الشرق الأوسط، بشكل جريئ ومقتضب، احد اهم المواضيع التي تهم المسيحيين في الشرق الأوسط واكثرها دقة وحساسية، الا وهي الحرية الدينية وحرية الضمير (من الفقرة رقم 36 حتى 40 وفي غيرها من فقرات أداة العمل). سوف نجري في هذه المداخلة الموجزة قراءة لهذه الأقسام مع بعض المقترحات، بحيث نبرز ما اشارت اليه أداة العمل من "تحديات" وما اغفلته، مع اضافة بعض المقترحات والتوصيات للمعالجة. 

1 - تحدي الجنوح الى اصول دينية لحقوق الإنسان غير متفقة مع المعايير الدولية:

حسنا فعلت أداة العمل في ان اولت الإهتمام البارز لحقوق الإنسان بشكل عام وللحريات الأساسية، ومنها "الحرية الدينية وحرية الضمير" التي تشكل احدى اهم هذه الحقوق والحريات. لكنها اغفلت عددا من التحديات الأساسية المتعلقة بهذا الإرتباط الوثيق بحقوق الإنسان:

أ –  ان التحدي الأول الذي تواجهه حقوق الإنسان في الشرق الأوسط هي التأكيد على مصادرها المدنية لا الدينية، وبالتالي صفتها العالمية الشاملة دون ارتباطها او تأثرها باية خصوصة دينية التي يسعى البعض، لا سيما بعض المتشددين المسلمين، الصاقها بها للتفلت من تطبيق احكامها. ان التأكيد على هذه الصفة العالمية والمدنية لحقوق الإنسان اساسي من اجل تحديد مضامين معايير حرية "الفكر والوجدان والدين التي تسعى بعض النصوص الخاصة ذات الطابع العربي والإسلامي لحقوق الإنسان الى تضمين احكاما خاصة بها، يتبين عند مراجعتها بدقة انها مختلفة عن المعايير الدولية ودونها في مستوى الحماية المتاحة.

ب -  لم تشر أداة العمل صراحة، كما كنت تمنيت ان تفعل، الى العبارة المعتمدة في ادبيات حقوق الإنسان للإشارة الى ثالوث حريات "الفكر والوجدان والدين" Libertes de pensee de conscience et de religion (بدل الحرية "الدينية وحرية الضمير" المعتمدة في أداة العمل)، والى المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية و"اعلان الأمم المتحدة حول الغاء جميع اشكال التعصب والتمييز على اساس الدين او المعتقد"، وهي جميعها اعلانات واتفاقيات دولية ملزمة لدول الشرق الأوسط في مجال ضرورة احترام الحريات الدينية، كون هذه الدول ابرمتها واصبحت تاليا ملزمة قانونا بتنفيذ احكامها.  

2 - تحدي توضيح معنى الحرية الدينية ومعايرها:

ان المعنى الذي تعطيه أداة العمل للحرية الدينية (الرقم 37) اضيق مما يفترض ان يكون وفق المعايير الدولية. فهي تركز، وبحق، على حرية العبادة (بشكل عام دون تفصيل)، وحرية "ممارسة الديانة سرا وعلنا"، وحرية تغيير الدين، وحرية "الضمير" (اي ان يؤمن الشخص او لا يؤمن).

انما حرية الدين (لاسيما حرية اظهار الدين، المختلف عن حرية الوجدان)، تتضمن الحقوق الخاصة الآتية التي يفيد ان تفصلها أداة العمل، او تشير اليها تخصيصا، كتحديات تواجهها الكنائس في العديد من دول الشرق الأوسط:

حرية ممارسة العبادات: بناء دور العبادة، استعمال الشعارات الدينية، اختيار رجال الدين، الإحتفال بالأعياد وبايام العطلة والراحة.حرية ممارسة التعليم الديني: فتح وادارة المدارس الدينية، انتاج وتوزيع المطبوعات والكتب الدينية.حرية ادارة المصالح الدينية: تأسيس وادارة المؤسسات الإجتماعية والخيرية، استلام التمويل المناسب لهذه الغاية، التواصل والتعاون في مسائل الدين على المستويين الوطني والدولي.

التوصيات:  العمل مع هيئات حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم على تطوير معايير حريات "الفكر والوجدان والدين" على اساس عالمي ومدني، ضمن اطار مقاربة "العلمنة الإيجابية"، وتطوير ادبيات هذه الحريات وممارساتها الصحيحة ضمن اطار العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق العربي لحقوق الإنسان؛ وتأسيس مرقب خاص بالحريات الدينية في الشرق الأوسط. 

3 - تحدي منع الإسلام تغيير الدين (جرم الردة) ورفض التبشير و"الإقتناص الديني"

لقد احسنت أداة العمل في التأكيد على ان مسألة تغيير الدين من معايير حرية الدين الأساسية، ومن التحديات التي تواجه هذه الحرية في منطقة الشرق الأوسط. لكنها وضعت حق تغيير الدين في اطار من التحليل الإجتماعي (الرقم 38)، ولم تعالجه مباشرة في كونه يشكل جريمة "الردة" القائمة على اسس دينية في الفقه الإسلامي، ذلك ما يشكل تحد اكبر في هذا الموضوع الشائك كونه يطال مفاهيم دينية، لا اجتماعية وحسب. كما ان ما تشير اليه أداة العمل بالإقتناص الديني او التبشير، وهو مصدر للعديد من الخلافات المؤدية الى انتهاكات لحرية الدين، مرتبط ايضا بحدود مبهمة يجب توضيحها بين حرية التعليم الديني والتبشير المؤدي الى تغيير الدين.

التوصيات: توضيح الموقف واعلانه بشأن الحدود ما بين حق وحرية التعليم الديني لأبناء الطوائف المسيحية واقتناص المسلمين الذي قد تخشاه بعض المجتمعات؛ وتطوير حوار هادف على جميع المستويات، الإجتماعية والقانوينة والفقهية، يعمل على حل المشاكل الناتجة عن بعض الحالات التي يعتبر المسلمون ان فيها حالة "ردة". 

4 - تحدي تنامي اعمال العنف الحالية واستمرار ذاكرة الخوف التاريخي من الإضطهاد والابادة الجماعية على اساس الدين:

لا تقيم أداة العمل، بشكل واضح او كاف، الفارق ما بين التحديات الناتجة عن افعال الدول والحكومات، وتلك الناتجة عن اعمال المجتمع ومنظماته ومجموعاته المختلفة. وكليهما يشكل خطرا على حرية الدين بوسائل مختلفة، وتحتاح الى معالجات مختلفة بالنسبة لكل دولة من دول الشرق الأوسط على حدى.

فعلى سبيل المثال، ان الأحكام الدستورية والتشريعية والإدارية تحتاج الى ضغوتات سياسية وقانونية لتعديلها، على كل من المستويات المحلية والإقليمية والدولية. أما اعمال الناس والشعب، فتحتاج الى عملية تطوير ثقافية، والتدخل الفعال للقضاء، لملاحقة ومحاسبة التعديات والجرائم القائمة على اساس الدين وبسببه (والبعض من هذه الجرائم قد يحصل بتواطؤ السلطات او تخاذلها في الوقاية منه، او منعه او معاقبة مجرميه).

أما المخالفات الأشد خطورة، في الماضي والحاضر، فهي جرائم القتل والتهجير القسري وجرائم الإبادة الجماعية التي ما زالت في الذاكرة الجماعية للعديد من مؤمني كنائس الشرق الأوسط، لا سيما تلك التي ذهب ضحيتها الأرمن والأشوريين والسريان في بدايات القرن الماضي. لا بد بالتالي من معالجة تلك الذاكرة الجماعية التي تربي على الخوف والحذر والإنكفاء والهجرة، عبر وسائل مناسبة.

التوصيات:

العمل، بالمشاركة مع سائر الكنائس الشرقية وهيئات المجتمع المدني والهيئات الرسمية، على تطوير برامج ومناهج تعليمية تنمي ثقافة احترام الإختلاف والحريات الدينية.العمل على المستوى المحلي والإقليمي والدولي للضخط على الحكومات من اجل تطوير سياسات جدية لإحترام معايير الحريات الدينية، لا سيما عبر اجراء الملاحقات والمحاكمات الفعالة لجميع منتهكي هذه الحريات.العمل على كتابة تاريخ المجازر الدينية في الشرق الأوسط بالشكل المناسب، وصولا الى المصالحة والعدالة الترميمية، لا سيما عبر الإعتراف بالأخطاء وبناء الأطر الفعالة التي تقي الشعوب والكنائس من تكرار المجازر والإضطهادات.تطوير مبادئ وآليات "العلمانية الإيجابية" والدولة المدنية حيث امكن في دول الشرق الأوسط. 
 

ثم كانت كلمة للدكتور محمد السماك عن ورقة عمل السينودس : حول الحرية الدينية فقال:

استوقفني في موضوع الحرية الدينية وحرية الضمير من الورقة الخاصة بالسينودس من أجل الشرق الأوسط ، أمران أساسيان :

الأمر الأول "ان حقوق الانسان تستمد طابعها المقدس من قداسة الله الذي خلقه".

هنا أود أن أشير الى ان الحق الأول للانسان هو حقه في احترام كرامته . والكرامة الانسانية في الاسلام مستمدة من الله  وهي حق لكل انسان بصرف النظر عن عقيدته أو لونه أو جنسه أو عنصره .. وهي ليست مرتبطة بالإيمان ، أي إيمان . فالانسان مكرم لذاته الانسانية وهو ما نفهمه كمسلمين من نص الآية القرآنية التي تقول " ولقد كرّمنا بني آدم" ، أي الانسان ، بالمطلق .

الأمر الثاني الذي استوقفني في النص هو قوله ان " الله أعطى الانسان ضميراً حياً به يمكّنه من البحث عن الحقيقة والوصول اليها دون إجبار". ان من مستلزمات احترام الكرامة الانسانية احترام حق الانسان في أن يختار إيمانه :" انا هديناه النجدين فإما شاكراً وإما كفوراً" ، يقول القرآن الكريم . بل ان احترام حرية الضمير وصلت بالنص القرآني الى المستوى الذي يقول فيه :" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ".

ولذلك فان مفهوم الآية القرآنية "لا إكراه في الدين" يتعدى النهي الى النفي . بمعنى ان الـ"لا" هنا لا تعني فقط " لا تكرهوا الناس على الدين" ، بل انها تنفي أن يكون هناك إيمان بالإكراه . ولقد أعطى الله الانسان العقل ووهبه حرية الاختيار . والهبتان متلازمتان . فلا دين لمن لا عقل له . ذلك انه بالعقل يُعرف الله وبه يُعبد . والإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول :" ربِ من أعطيته العقل ماذا حرمته ؟ ومن حرمته العقل ماذا أعطيته ".

فالعقل هو قاعدة الإيمان ، وهو السبيل الى التفكر والتدبر والاختيار . والله وحده هو الذي يحكم بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون .

هذا في الاساس العام . اما في التخصيص ، فان عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم لمسيحيي نجران ، وهو عهد ملزم لكل مسلم ومسلمة حتى قيام الساعة ، ينص على سلسلة من التعهدات ، أذكر منها ما يتعلق تحديداً بالحرية الدينية وحرية الضمير. فالعهد النبوي ينص على "أن أحمي جانبهم وأذبّ عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم ، ومواضع الرهبان ، ومواطن السياح ، حيث كانوا من جبل أو واد أو مغار أو عمران أو سهل أو رمل . وأن أحرس دينهم وملتهم اين ما كانوا من بر أو بحر ، شرق  أو غرب ، بما أحفظ به نفسي وخاصتي وأهل الاسلام من ملتي".

الى ان ينهى عن "إدخال شيء من بنائهم في شيء من أبنية المساجد ولا منازل المسلمين . فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله ، وحالَ عن ذمة الله " 1.

وفي إطار هذا التخصيص تقول الوصية النبوية:" لا يجبر أحد من النصارى كرهاً على الاسلام". وتقول في مكان آخر :" ان أجرم أحد النصارى، فعلى المسلمين نصره والغرم عن جريرته". بل ويذهب النبي الى القول : " لهم –اي للنصارى- اذا احتاجوا ترميم بيعهم وصوامعهم او شيء من أمور دينهم ، الى رفد من المسلمين وتقوية لهم ، ولا يكون ذلك ديناً عليهم ". وواضح من سياق النص أن الرسول يدعو المسلمين الى التبرع للمسيحيين لبناء أو لترميم كنائسهم وأديرتهم .

فاذا لم يكن في ذلك دعوة الى احترام العقيدة وحرية العبادة فكيف تكون الدعوة ؟

لقد تحدثت الورقة عن حرية تغيير الديانة وهي قضية دقيقة وذات أبعاد مختلفة .

نعرف جميعاً أن هناك بعثات انجيلية عملت في السابق ولا تزال تعمل اليوم على التبشير بين المسيحيين والمسلمين . الا ان نجاحاتها تكاد لا تذكر بين المسلمين . والامر لم يكن كذلك بين المسيحيين . لن أناقش ما أوردته الورقة من "ان المسيحي يظل حراً في تغيير الديانة" ، فما أعرفه هو ان للكنائس الشرقية الكاثوليكية تحديداً مواقف معارضة بشدة للتبشير الانجيلي والتصدي له . وهي مواقف تتواصل اليوم في دول أميركا الجنوبية وفي غيرها . ويتماثل هذا الموقف المبدأي الى حد ما مع الموقف الاسلامي . بل ان الأمر في الاسلام هو أشد تعقيداً . ذلك ان تحوّل المسيحي يكون من مذهب الى مذهب آخر ضمن المسيحية ، أما تحوّل المسلم فلا يكون من دين الى دين آخر فحسب ، بل من جماعة الى جماعة أخرى ، فمنذ حروب الفرنجة .. ثم العهود الاستعمارية ، ثم اجتياح ثقافة التغريب ، كان التحول يعتبر انتقالاً الى الخندق الآخر المعادي .. وبالتالي كان ينظر اليه على انه فعل خيانة وليس مجرد حرية ضمير .

ولذلك ذهب علماء مسلمون الى المطالبة بمعاقبة المرتد بما يحكم به على الخونة . فقد بدا لهم وكأن الارتداد والخيانة وجهين لحالة واحدة .

ولعل من أكثر المظاهر الحميمية لاحترام الحرية الدينية وحرية الضمير التي نص عليها الاسلام تبرز من خلال الالتزامات المفروضة على المسلم عندما يتزوج من مسيحية . ففي وصية النبي انه " اذا صارت النصرانية من مسلم ، فعليه برضى نصرانيتها ويتبع هواها في الاقتداء برؤسائها والأخذ بمعالم دينها ، ولا يمنعها في ذلك ".

في الأساس لا يشكل الاهتداء الى المسيحية او الى الاسلام مشكلة حقيقية في العلاقات الاسلامية – المسيحية في الشرق. المشكلة قائمة فعلاً مع الحركات التبشيرية القادمة من خارج المنطقة والتي تستهدف مسلميها ومسيحييها معاً. وهي قائمة كذلك مع الحركات التسفيهية للدين اسلامياً كان أو مسيحياً .

لذلك فان استخدام عبارة "ضغط الاقتناص الاسلامي" لا تبدو لي عبارة موفقة . فهي قد تثير رد فعل سلبي يتعارض مع روح الورقة ومع الهدف من ورائها .

يزيد من مبررات هذا التحفظ ، ما ورد في الفقرة 41 صفحة 17 تحت عنوان "المسيحيون وتطور الاسلام المعاصر" . تقول الورقة : " ثمة تيارات دينية مختلفة تريد أن تفرض أسلوب حياة اسلامي على المجتمعات العربية"؟ ، والواقع ان هذه التيارات تريد أن تفرض أسلوب حياة مستمَد من مفومها هي للاسلام . وفي بعض هذه المفاهيم ما يقلق المسلمين وليس المسيحيين فقط . ان الصياغة التي لا تميز بين الاسلام وبين ما يقول به بعض التيارات التي تتحدث باسمه ، لا تساعد على بناء جسر التفاهم الذي تحتاج اليه مجتمعاتنا للعبور نحو بناء حياة مشتركة .

وبقدر ما كانت الورقة محقة عندما قالت في الفقرة التالية  ( الفقرة 42 صفحة 18) "ان هذا الموقف يستهدف المجتمع الاسلامي أولاً ، كانت محقة ايضاً عندما قالت " أن التيارات المتطرفة تشكل تهديداً لجميع المسيحيين واليهود والمسلمين، وانه ينبغي علينا أن نواجهها معاً ". فالتطرف ليس وقفاً على دين واحد أو مذهب واحد أو جماعة واحدة . انه وباء يشكو منه الجميع . ولذلك فان من مصلحة الجميع التصدي لمبدأ التطرف بما هو محاولة لإلغاء الآخر ، ولاحتكارالحقيقة . الأمر الذي يشوه نظرة العقيدة الى ذاتها ونظرتها الى الذات الأخرى. فأن نختلف ليس مشكلة . المشكلة هي في أن لا نحترم مبدأ الاختلاف وفي أن نتجاهل حق الآخر في أن يكون مختلفاً . 

ثم تحدثت نقيبة المحامين في بيروت أمل حداد فقالت: 

بعيداً عن الأجواء السياسية الملبدة بالغيوم والمخاوف، نجتمع في هذا المركز الراقي، برئاسة سيادة المطران بشاره الراعي، ومع هذه النخبة من أهل الإختصاص والإيمان.

أما هدفنا من اللقاء فهو البحث، والحوار، والإستشارة، التي يعتمد على ثلاث ركائز:

الأوّل: ان المركز الكاثوليكي للإعلام ليس للكاثوليك فحسب، وليس لرجال الدين ولا لأهل الإعلام، بل هو لنا جميعاً، مسلمين ومسيحيين، وهو واحة لقاء نتبادل فيها الأراء والأفكار لعلّنا، بالحوار، نصل إلى خير الإنسانية ولبنان.

      الثاني: السينودس الذي ينعقد في تشرين المقبل في الفاتيكان هو الطريق التي إختارها قداسة الحبر الأعظم بهدف المحافظة على المسيحيين في الشرق، وعلى إستمرارهم في عيش مشترك بنّاء مع جميع إخوتهم في هذه المنطقة المضطربة من العالم.

وأية فضيحة أخلاقية وإنسانية إنْ هُجرَّ المسيحيون أو هَجَروا من هذه الأرض.

      الثالث: إن نقابة المحامين، وهي نقابة لكلّ المحامين وكلّ لبنان، معنية كما ورد في وثيقة السينودس، من حيث الحرص على الحرية وعلى الإعتراف بالآخر. وهذا لا يكون إلا بالإعتماد على القانون وعلى الدستور وعلى حقوق الإنسان.

وهذا ما سأركزعليه علمياً من خلال مداخلتي هذه.

وليس لقاؤنا اليوم صدفة. فقد عُرف لبنان تاريخياً بأنه واحة الحريات العامة وحقوق الإنسان. وقيلَ فيه، بحقّ، أنه ملاذ الناشطين السياسيين المضطهدين والمهاجرين من الدول المجاورة، لأسباب سياسية ودينية شتّى، هرباً من تضييق السلطات عليهم، على اعتبار أن لبنان يتمتّع بحيّزٍ كبير من حرية التعبير والرأي والمعتقد، ومن هؤلاء كانت الجماعات الدينية، حتى ناهز عدد الطوائف المعترف بها في لبنان العشرين.

أنتم المجتمعون، اليوم إنكم في طليعة المؤتمنين على حرية المعتقد، والحريصين على لبنان ومستقبل المسيحيين في هذه المنطقة من الشرق، والمناضلين من أجل تكريس نموذج العيش المشترك، بين الطوائف في بلد "الرسالة"، كما وصفه قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني.

وبالفعل، فقد نصت المادة التاسعة من الدستور اللبناني على أن  "حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فـروض الإجلال للّه تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها، على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام وهي تضمن أيضا للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية".

كذلك يؤكد الدستور، في مقدمته، على المساواة في الحقوق والواجبات الممنوحة لجميع المواطنين دون تمييز أو تفضيل.

وينص في المادة 24 منه على تمثيل المسيحيين والمسلمين بالتساوي في البرلمان، والأمر عينه ينسحب على أعضاء مجلس الوزراء، وموظفي الفئة الأولى، بمقتضى المادة 95 من الدستور.

ومن جهة أخرى ذات صلة، تُجيز الدولة اللبنانية للطوائف الدينية المعترف بها إدارة مسائل الأحوال الشخصية الخاصة بها، كالزواج والطلاق وحضانة الأطفال والميراث والإيصاء والأبوة والبنوّة والتبنّي.

هذا، وتموّل الدولة المحاكم الدينية لدى الطوائف الإسلامية الكريمة، وتُعيّن أعضاءها، وتقوم هذه المحاكم بإعمال أنظمة الأحوال الشخصية الخاصة بها. كما وتعترف الدولة بالعُطل الدينية كعُطل رسمية.

وإن كانت إجراءات الزواج المدني غير مطبقة في لبنان، فإن الدولة اللبنانية تعترف بالزواج المدني الذي يُعقد خارج البلاد فيكون صالحًا للتسجيل في دوائر الأحوال الشخصية ومنتجًا مفاعيله القانونية، ويكون القضاء اللبناني صالحًا للنظر فيها.  

تشمل حرية المعتقد المكرّسة في الشرع العالمية لحقوق الإنسان:

الحق في حرية الفكر والدين أي حرية الإنسان في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره.

الحرية في تغيير دينه أو معتقده، والحق في إظهار الدين أو المعتقد عن طريق التعبد وإقامة الشعائر والتعليم الديني، سواء بمفرده أو مع الجماعة، على الملأ أو على حدة.

كذلك تشمل حرية المعتقد حرية إعتناق الآراء دون مقايضة، والحق في عدم التعرض لإكراه من شأنه أن يخلّ بحرية الفرد في اعتناق دين أو معتقد ما.

ويطبّق القضاء اللبناني جلّ هذه المبادىء، ولاسيما المبدأ الأخير منها، حتى ذهب قرار محكمة التمييز الغرفة الخامسة رقم 26/2001 تاريخ 13/3/2001 ليؤكّد أن حرية تغيير الدين تدخل ضمن حرية المعتقد المكرّسة دستورًا، وأنها حق من حقوق الإنسان2.

وتكرّست حرية المعتقد، شأنها شأن سائر الحريات، في مواثيق عالمية، تبنّاها لبنان واسترشد بها، نذكر منها:

- ميثاق هيئة الأمم المتحدة لعام 1945 التي كان لبنان عضوًا مؤسسًا فيها، هذا الميثاق الذي كفل احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعًا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين.

- والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 الذي شارك لبنان في صوغه.

- كذلك نذكر اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 التي صادق عليها لبنان، والتي عرّفت في مادتها الثانية الإبادة الجماعية على أنها التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية.

- والإتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 التي صادق عليها لبنان، والتي تشير، في المادة الرابعة منها، إلى التزام الدول الأطراف بالتوفير للاجئ داخل أراضيها معاملة توفر على الأقل رعاية مشابهة لتلك الممنوحة لمواطنيها، على صعيد حرية ممارسة شعائرهم الدينية وحرية توفير التربية الدينية لأولادهم.

- ونذكر الإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965، التي صادق عليها لبنان، والتي تتضمن في المادة الخامسة منها تعهد الدول الأطراف في الاتفاقية بحظر التمييز والوفاء بعدد من الالتزامات وكفالة عدد من الحقوق، من بينها الحق في حرية الفكر والعقيدة والدين.

- والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية وللحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية لعام 1966 اللذين صادق عليهما لبنان.

- دون أن نغفل الإشارة إلى إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979،التي صادق عليها لبنان، والتي فرضت على جميع الدول الأطراف أن تتخذ في جميع الميادين، ولاسيما الميادين السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية، كل التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعية، لتضمن ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها على أساس المساواة مع الرجل.

- إضافةً إلى إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على جميع أشكال التعصّب والتمييز على أساس الدين أو المعتقد لسنة 1981 الذي صادق عليه لبنان.

- وإتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 التي صادق عليها لبنان، والتي كرّست في المادة 13 منها حق الطفل في حرية الفكر وحرية التعبير. "ويشمل هذا الحق حرية طلب جميع أنواع المعلومات والأفكار وتلقّيها وإذاعتها، دون أي اعتبار للحدود، سواء بالقول، أو الكتابة أو الطباعة، أو الفن، أو وسيلة أخرى يختارها".  

ليست هذه الشرع والمواثيق حبرًا على ورق أو، أقله، لم يُرد منها أن تكون كذلك.

فقد نص عدد من الإتفاقيات الدولية على إنشاء آلية لمتابعة تنفيذ مقرراتها وللتحقّق من احترام حرية الدين والمعتقد.

وللدلالة على أهمية مضامين هذا الشرع، تحظّر هذه الأخيرة على الدول المعنية تأويل أي نص فيها بما من شأنه تقويض الحقوق والحريات، بحيث أصبح ثابتًا، بمقتضى الشرع والمواثيق العالمية التي أجمعت عليها البشرية، أنه لا يجوز تقييد الحرية إلا لضمان الإعتراف بحقوق الغير وحرياته، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديموقراطي.

كذلك ومن هذا المنطلق، لا يجوز للدول المعنية التملُّص، من الالتزامات الواردة في المواثيق الدولية إلا في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تهدّد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسمياً، وذلك في أضيق الحدود التي يتطلّبها الوضع ووفق شروط معينة.

وفي مطلق الأحوال، فإن هذا التقييد "المشروع" لا يمكن أن يشمل، حسبما نرى في نقابة المحامين في بيروت، حرية الضمير والوجدان والدين.

ومما يؤيّد قناعتنا هذه أن الفقه والإجتهاد العالميين سارا على أن كلّ تصرّف غير محظور صراحةً في النصّ القانوني يكون مباحاً؛ أي أن الأصل والمبدأ هو الحرية، والقيود هي الإستثناء. كذلك فإن القيود يجب أن تكون، بمقتضى النصوص القانونية الصريحة، وهي عند وجودها، تفسّر حصريًا وفي شكلٍ ضيّق.

وفي حال غموض النصّ، يفسر القانون دائماً لمصلحة الحرية وليس لمصلحة القيود، وهذا ما يُعرف قانونًا بمبدأ الحرية وحصرية القيود3.

لذلك، إن حق الدولة في تنظيم أو فرض قيود على حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقداته مرهون بما قد يفرضه القانون من حدود، وعلى أن تكون تلك الحدود ضرورية لحماية الأمن العام أو النظام العام أو المصلحة العامة أو الأخلاق العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.

وفي لبنان، نرى أن القانون يقوم بإعمال هذه المبادىء العالمية، حيث من غير الجائز التوسٌّع في التفسير أو القياس، خصوصاً في معرض النصوص الجزائية، عملاً بقاعدة " لا جرم بدون نص، ولا عقوبة بدون جرم "، تطبيقًا لأحكام الدستور اللبناني الذي كفل هذا المبدأ في المادة الثامنة منه.

وبديهيٌّ القول أنَّ المجلسَ الدستوريّ يأتي في مقدّمةِ المستلزماتِ والمرتكزاتِ الدستوريّةِ لضمانِ هذه الحقوقِ والحرياتِ الأساسية وفي تأمينِ أوسعَ نطاقٍ ممكنٍ من الممارسةِ بأفضلِ وجهٍ، كما أنَّ سلطاتِ الإدارةِ بهذا الصددِ هي باْستمرارٍ سلطاتٌ مقيدةٌ، ولا وجهَ للقولِ بسلطةٍ إستنسابيةٍ لها بأيِّ حالٍ من الأحوال، وهي تقعُ تحتَ رقابةِ القضاءِ الإداري والعادي في اْختلاف الظروفِ العاديةِ والإستثنائيةِ.

إن تكريس حرية المعتقد عند الإنسان تعني الإقرار بحقّ الإختلاف واحترام هذا الإختلاف إلى أقصى الحدود، وهذه الحرية مكرسة في القانون اللبناني.

لكن ذلك لا يعني أن لبنان، وبالرغم من كونه دولة متقدّمة نوعياً على صعيد الحريات العامة، يلبّي في صورة تامّة المعايير والمتطلّبات التي نصّت عليها الشرع العالمية لحقوق الإنسان، سواء على صعيد البنية التشريعية والقانونية، أو على صعيد الممارسات الرسمية المتّبعة. الأمر الذي يطرح عدداً كبيراً من التحديات والصعوبات ويستدعي دراسة سُبُل مواجهتها.

فلا يُفهم من كلامنا أن التشريع والقضاء في لبنان بأفضل حال؛ ولعلّنا نلاحظ معًا أن هاجس المشترع اللبناني في القوانين المنظّمة لحرية التعبير والرأي، هو هاجس أمني، فيما تشير معايير حقوق الانسان الدولية إلى عدم جواز اتخاذ الأمن القومي ذريعة غير مبرّرة لتقييد هذه الحريات.

وليس أدلّ على ذلك صياغة قانون العقوبات اللبناني الذي يورد عبارات مطّاطة ومتفلّتة للتضييق على الحريّات من مثل "تعكير السلامة العامة4"، "المس بالشعور الديني5"، "إثارة النعرات الطائفية6"، "المسّ بوحدة البلاد7"، "الحضّ على الإقتلال بين عناصر الأمة8" ... 

إلا أن الضمانة تكمن، أولاً وأخيراً، في عدم التعسّف في تطبيق هذه المفاهيم من قبل  القضاء وموازنته بين متطلّبات الحرية ومقتضيات النظام العام، وهو ما تحرص عليه نقابتنا التي لطالما سهرت على هذا الدأب وتصدَّت لما يُخالف هذه الروحيَّة. 

      من أبلغِ معاني خلْقِ اللهِ الإنسانَ، على صورتهِ ومثالهِ، ومن أبهى مظاهرِها هي الحريةُ، في كَينونتهِ ووجودهِ.

       هذهِ الحريةُ التي اْنبثقت من ذاتِ الخالقِ السيّدِ المطلقِ والكلّي الكمال، هي الهبةُ الكبرى التي ينعَمُ بها المرءُ ليحقِّقَ سيادتَهُ وقوتَهُ وعزّتَهُ ويثبِّتَ وجودَهُ الذي يجسّدُ وجودَ الباري تعالى. 

لعلّ الرباط الوثيق بين ورقة عمل السينودس وبين حرية المعتقد المكرّسة في القوانين الدولية والقوانين المحلية يتجسّد في ورقة العمل نفسها التي ركزت على أن حقوق الإنسان وخير الإنسان، هي فعلاً معيار كل نظام سياسي واجتماعي إذ أن أغلب النظم تُقام لخدمة الإنسان: النفس والجسد، الفرد والجماعة9.

وها هي ورقة العمل تحفّز على العودة إلى القيم الدينية والأخلاق والضمير للتشديد على وجوب إحترام حرية المعتقد والضمير من قِبل المجتمعات والدول كافة. 

وهذا ما إلتزمت به نقابة المحامين في بيروت، أم الشرائع، في افكارها وأقوالها وأعمالها مبدأ بقاء وصمود في جميع المراحل والأطوار والعهود تطوّراً وإنبعاثاً وعافيةً وثباتاً.

      ولعلّ في هذه الندوة ما يحقّق الغاية من انعقادها، فللمساهمين في نجاحها كل الشكر والتقدير.  

وكلمة الختام كانت للأب عبده أبو كسم فقال:

عنوان كبير هو هذا العنوان " حريـة المعتقــد والضميــــــر" في بلدٍ متعدّد الطوائف مثل لبنان، هذا البلد الذي سمّاه الراحل الكبير البابا يوحنا بولس الثاني "بلد الرسالة" رسالة الأديان السماوية التي تدعو إلى المحبة وخوف الله، لكن بالمقابل، لا يخفى على أحد أن منطقة الشرق الأوسط تمّر بمخاضٍ عسير مصيري من شأنه أن يبّدل صورة هذا الشرق، وقد يتاثر لبنان من تداعيات هذا التبّدل وتشّوه بالتالي صورة لبنان "الرسالة" لا سمح الله. وهذا يستّدعي بالطبع وعياً لمسؤولياتنا كلبنانيين في أن نحافظ على الصيغة التعدّدية للطوائف من ضمن احترام معتقداتنا بعضنا لبعض والبحث لتفعيل نقاط التلاقي التي هي كثيرة لنؤسس لمجتمع راقٍ ينبذ المذهبية ويقطع الطريق على الفتنة التي لا تخدم سوى أعداء لبنان وهم معروفون ولا حاجة إلى تسميتهم.

بالأمس القريب سادني شعورٌ أن الفتنة المذهبية في لبنان نائمة وكم كنت أتمنى أن تكون مائتة، وهي بحاجة إلى لمسة ناعمة لكي تستفيق وتحرق وجوه اللبنانيين، وكنّا قد طلبنا في المركز الكاثوليكي للإعلام وقف بث برنامج عن ربّنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، لأنه يرتكز على اساسٍ باطل وغير صحيح، وكنا نعمل على هذا الموضوع مع المعنيين عبر صوت العقل بكل هدوءٍ ومحبّة وتفاهم، على قاعدة أن من يريد أن يتكلم على دين وتعاليم الآخر عليه ان ينطلق من إنجيله إذا كان المتكلم مسلماُ أو قرآنه إذا كان المتلكم مسيحياً وليس من خلال مراجع غير دقيقة وغير رسمية.

إن ما حصل من رداتٍ فعلٍ مسيحية جاءت عفوية، لكن غير مطمئنة لأننا لم نرق بعد كلبنانيين إلى مستوى التحرك الحضاري والشيء بالشيء يذكر عندما تعرّضوا لنبي المسلمين من خلال رسوم كاريكاتورية قي الدنمارك احترقت بيروت.

أيها السادة،

إن تجاوب المسؤولين عن قناة "المنار" وال "NBN" الطوعي، هو  قرار مشكور وأن ما طالعتنا به بعض الصحف من مقالات لمتنورين لا تخلو من الانتقادات والتي تتهمنا بأننا ما زلنا نعيش في القرون الوسطى ومحاكم التفتيش، هي إتهامات باطلة، مردودة لأصحابها وبالمناسبة نقول لهم نحن حرّاس الكلمة والمؤتمنون على السهر على العقيدة المسيحية عبر وسائل الإعلام ولا يزايدن علينا أحدٌ في انفتاحنا على اخواننا في المواطنية، تاريخنا ونهجنا يتكلم عنّا فلسنا بحاجة إلى شهادة حسن سلوك من أحد.

أيها السادة، إن حرية المعتقد والضمير هي ضمانة وجود لبنان لكن هذا لا يعني أن نتخلى عن الضوابط التي تضمن وجود واستمرار هذه الحرية في بلدْ متميّز كلبنان، صلاتنا في هذا الشهر الفضيل أن يبقى لنا لبنان "بلد الرسالة". 
 

ملاحظة : هذه الندوة تبث ضمن برنامج "قضايا" على شاشة تلفزيون "تيلي لوميار" و"نور سات الفضائية" الخميس في 26 آب الجاري الساعة السابعة مساءً ، الجمعة 27 آب الجاري الساعة الخامسة صباحاً والأحد 22 آب الجاري في الثانية عشرة والنصف ظهراً. وتذاع على إذاعة "صوت المحبة" الجمعة 29 آب الجاري الساعة السادسة والربع مساءً وتعرض على شاشة تلفزيون لبنان.