مقابلة مع أمين عام اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي المسيحي في لبنان
حاوره طوني عساف
روما، الأربعاء 24 فبراير 2010 (zenit.org). - المستقبل هو أن نعيش معاً ، مسلمون ومسيحيون في حوار، هو موضوع اللقاء الذي نظمته جماعة سانت إيجيديو يوم الاثنين 22 فبراير في مقرها الرئيسي في روما. على هامش هذا اللقاء أجرت وكالة زينيت مقابلة مع أمين عام اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي المسيحي، ومستشار مفتي لبنان، السيد محمد السمّاك.
محمد السمّاك هو أول مسلم يشارك في سينودس، وكان ذلك السنودس من أجل لبنان وقد دعا إليه البابا يوحنا بولس الثاني، وشارك فيه السمّاك كعضو فاعل وليس كمراقب. وهو بين العلماء المسلمين الـ 138 الذين وقعوا الرسالة "كلمة سواء" التي أُرسلت الى البابا بندكتس السادس عشر. منذ ثلاث سنوات تقدم السمّاك من الحكومة اللبنانية بمشروع إعلان 25 مارس، عيد سيدة البشارة، عيداً وطنياً للمسيحيين والمسلمين. مشروع لاقى الدعم لدى الحكومة اللبنانية التي أصدرت مرسوماً الأسبوع الماضي بإعلان العيد يوماً وطنياً ويوم عطلة رسمية. ننشر في ما يلي القسم الأول من المقابلة.
كيف تلخصون أزمة العلاقات المسيحية الإسلامية في الشرق الأوسط، وخاصة وأنه بعد أربعة عشر قرناً من العيش المشترك لا تزال تُعقد مؤتمرات للحوار؟
السمّاك: في الأساس، المسلمون والمسيحيون في الشرق الأوسط محكومون أن يختاروا العيش المشترك. لا يوجد هناك صفة ثالثة لتوصيف هذه الحالة، فإمّا أن يختاروا العيش معاً وإما أن يُفرض عليهم العيش معاً. نحن نقول بأن العيش معاً بين المسيحين والمسلمين ليس قضاء وقدراً وإنما هو خيار. عندما نبني الحياة المشتركة على أساس أننا نختار هذه الحياة فإننا نبني أصول الحياة المشتركة على قاعدة أن نعترف بأن ثمة اختلافات فيما بيننا وأن نوجد ثقافة مبنية على احترام الاختلافات وتقبلها والعيش معها. ولكن لا يستطيع أيّ منا أن يلغي هذه الاختلافات ولا أن يفرض نسق حياته على الآخر. التنوع والتعدد في مجتمعاتنا العربية المسيحية الإسلامية هو مكوّن أساسي ومكوّن تاريخي وهو صيغة المستقبل إذا كان لهذه المنطقة من مستقبل.
أي مستقبل للشرق الأوسط من دون المسيحيين؟
السمّاك: لا مستقبل للمنطقة العربية من دون العيش المشترك الاسلامي المسيحي. ما يجري الآن في المنطقة من تراجع الحضور المسيحي من حيث العدد ومن حيث الدور هو كارثة ليس على المسيحيين وحدهم بل على المسلمين أيضاً، لأنه يؤدي الى تفسّخ هذا المجتمع والى افتقاره الى هذا الغنى في التنوع والى الكفاءات العلمية والاقتصادية والفكرية والثقافية التي تهاجر من المسيحيين. فالهجرة ليست خسارة للمسيحيين، هي خسارة للمسلمين في نفس الوقت وهي خسارة لصيغة العيش المشترك الاسلامي المسيحي.
الى أي مدى يعي المسلمون خطر زوال المسحيين من الشرق الأوسط؟
السمّاك: يجب أن أعترف بأن حجم القلق المسيحي الآن على المستقبل هو أكبر من حجم الوعي الإسلامي لهذا الخطر. وهنا يتحتم علينا أن نوسع دائرة المعرفة الإسلامية بمعنى الهجرة المسيحية، بخطورة هذه الهجرة المسيحية على الإسلام في المنطقة وفي العالم، لأن الهجرة المسيحية تحمل رسالة غير مباشرة للعالم بأن الإسلام لا يتقبل الآخر ولا يعيش مع الآخر وبالتالي فإن العالم الآخر أي العالم الغربي بشكل عام، من حقه عندئذ أن يقول – وبموجب هذا المنطق – أنه إذا كان المسلمون لا يتقبلون الوجود المسيحي فيما بينهم وهو وجود أصيل وتاريخي فكيف نتقبلهم في مجتمعاتنا. وهذا ينعكس سلباً على الوجود الإسلامي في العالم، ولذلك فإن من مصلحة المسلمين، من أجل صورة الإسلام في العالم ومن أجل مصالح المسلمين المنتشرين في العالم أن يحافظوا على الوجود المسيحي في العالم العربي وأن يحموه بجفون عيونهم، ليس منّة أو تحبباً بالمسيحيين ولكن لأن ذلك هو حق من حقوقهم كمواطنين وكسابقين للمسلمين في هذه المنطقة.
في الحديث عن المسلمين في العالم، وبخاصة في العالم الغربي، نسمع غالباً بظاهرة الإسلاموفوبيا. ما هي أسبابها وما هي برأيكم الحلول؟
السمّاك: بعض هذه الأسباب ربما يعود الى ظروف تاريخية قديمة موروثة في الثقافة الغربية التي تنظر بسلبية الى المسلمين، وهي متأصلة في الأدبيات، ويعكسها الإعلام يومياً بشكل أو بآخر. لكن مما يغذي هذا الأمر، سلوك بعض المتطرفين الإسلاميين في المجتمعات الغربية. وعندما أتحدث عن سوء السلوك، لا أتحدث بالضرورة فقط عن الإرهاب، وهو شيء خطير وسلبي وكارثي، إنما أتحدث عن الخلط لدى هؤلاء بين الدين والتقاليد. التقاليد ليست ديناً وبعض هؤلاء الناس، مع الأسف، يأتون من مجتمعات إسلامية، ويأتون بتقاليد وعادات محلية يعتقدون بأنها جزء من الدين وهي ليست كذلك وربما تكون مناقضة للدين ويتصرفون في المجتمعات الغربية متمسكين بهذه التقاليد التي يعبرون فيها عن شخصيتهم المستقلة. يأتون الى مجتمعات غربية لا تتقبلهم، يختلفون عنها في الثقافة، في اللغة، في الدين، في المأكل، في الحلال والحرام الخ...، فيشعرون بأنهم على هامش هذه الحياة، ومن أجل بلورة شخصيتهم يتمسكون بالتقاليد التي كانوا يمارسونها في بلدانهم ويقدسونها أي يعطونها مستوى قدسية الدين، الأمر الذي يعطي انطباعاً لدى الغربيين بأنه إذا كان هذا هو الإسلام فكيف نستطيع أن نعيش معه؛ وهو ليس الإسلام، هو تقاليد محلية من دول افريقية، من باكستان، من افغانستان، من الهند، من شمال افريقيا الخ... فالخلط بين ما هو ديني حقيقية وما هو تقاليد اجتماعية تعطى هوية دينية، يؤدي الى انتعاش هذه الإسلاموفوبيا بمعنى كراهية الإسلام عن جهل به، لأن الجهل بالإسلام مصدره أمران: الأمر الأول هو سوء تفسير بعض المسلمين للإسلام، والأمر الثاني هو سوء فهم بعض غير المسلمين للإسلام. السلوك الاجتماعي الذي يمارسه بعض المسلمين المهاجرين من مجتمعات متخلفة أو فقيرة أو غير مثقفة، أساسُه أن هؤلاء الأشخاص لا يجهلون التقاليد الاجتماعية الغربية في المجتمعات التي هاجروا إليها وحسب، ولكنهم يجهلون كذلك وبصورة أساسية الكثير من الثوابت الإيمانية ويعكسونها بصورة سلبية، الأمر الذي يؤدي الى هذه الحالة.
هناك نمو للتيارات المتطرفة الإسلامية. ما هو تأثير هذا النمو على المسيحيين في الشرق؟
السمّاك: أعتقد أن هذه الحركات تجاوزت اليوم مرحلة النمو وربما نشهد الآن مرحلة بداية التراجع والاضمحلال. بلغ هذا النمو القمة منذ فترة ولكن بدأت الآن عملية العد العكسي في التراجع. وإن تأثير هذه الحركات ليس فقط على مسيحيي الشرق، بل إنها تؤثر على المسلمين بشكل أساسي ومباشر. التطرف هو محاولة احتكار الحقيقة، محاولة احتكار الله واحتكار المقدَّس، وتفسير الدين وفقاً لمصالح ولمفاهيم حركات معينة؛ وبالتالي يأتي التصرف مع المسيحيين على أساس هذه التفاسير المعينة والتي يذهب ضحيتها الإسلام والمسلمين والمسيحيين أيضاً. ولذلك فإن عملية تصحيح للمفاهيم من خلال الأعمال الثقافية والتربوية أصبحت ضرورية، وأستطيع القول أن الدول العربية وعت هذا الأمر بعد أن دفعت ثمناً غالياً جداً من اتساع رقعة التطرف، وقد بدأ هذا التطرف ينحسر بسبب المراجعات والخطوات الجريئة التي قامت بها عدة دول كالسعودية والأردن ومصر والجزائر وغيرها من الدول. كلها قامت بإعادة نظر جريئة لإعادة طرح خط السلوك الإيماني والممارسة الإيمانية بشكل إيجابي وصحيح.












